يحول اللي ماله بريدة
غادرت بريدة فترة من العمر ثم رجعت إليها.
والغريب أن بعض الأشياء لا تعرف أنها نعمة إلا عندما تبتعد عنها.
كنت أعيش فيها دون أن أفكر فيها كثيرا. البيت قريب والأهل قريبون والأصدقاء حولك والطرق تعرفها قبل أن تعرف أسماءها.
كل هذا كان عاديا.
ثم ابتعدت.
وعندما رجعت وجدت أن المدينة كبرت قليلا، وأنا كبرت معها كثيرا.
أصدقاء كنت أراهم بلا موعد أصبح لكل واحد منهم حياته. وجوه كانت مألوفة اختفت ووجوه جديدة ملأت المكان.
حتى أمي..
كنت أراها بين فترة وأخرى، لكنني حين عدت شعرت أنها كبرت فجأة.
طبعا لم تكبر فجأة.
أنا فقط كنت بعيدا عن الأيام وهي تمر.
وبريدة أيضا لم تنتظرني.
كبرت واتسعت وتغيرت. ولا أدري أحيانا هل جاءها أناس جدد، أم أن الذين كنت أعرفهم أخذتهم الحياة إلى أماكن أخرى.
لكن شيئا واحدا بقي كما هو.
ذلك الشعور عندما تعود من سفر وتبدأ أسماء اللوحات والطرق تصبح مألوفة وتعرف أنك اقتربت.
ليس لأن بريدة أجمل مدينة ولا أكبر مدينة.
لكن لأن فيها أشياء لا تدخل عادة في مقارنة المدن.
فيها أم تستطيع الوصول إليها دون سفر.
وأهل لا يحتاج لقاؤهم إلى مناسبة.
وصديق قديم قد تصادفه دون موعد.
وشوارع لا تحتاج فيها إلى الخرائط.
وفيها جزء منك سبقك إليها وبقي هناك.
مع الوقت فهمت أن هذه الأشياء ليست عادية كما كنت أعتقد.
أن تكون لك مدينة تعرف تفاصيلها وتعرفك..
نعمة.
وأن تستطيع العودة إليها..
نعمة أكبر.
لهذا كلما كبرت فهمت عبارة كنت أسمعها منذ زمن بشكل مختلف.
لم تعد عندي مجرد مبالغة يقولها أهل مدينة يحبون مدينتهم.
صارت أقرب للدعاء.
ياحول اللي ماله بريدة.
— ياز