تبي عشا ؟

Share
تبي عشا ؟

كان أخي فهد يسألني أحيانًا في آخر الليل:

«معي عشاك.. تبي عشا؟»

أحيانًا أقول نعم وأحيانًا أكون قد تعشيت وأحيانًا لا أرد إلا بعد وقت. لم أكن أهتم كثيرًا بالعشاء معه ولم أكن أرى في تلك الجلسات شيئًا يستحق أن أتمسك به. كانت متاحة كل ليلة تقريبًا ولذلك بدت لي عادية.

ثم خرجت أنا أولًا.

تزوجت وأصبحت لي حياة وبيت آخر. ومثل أي شخص يغادر بيت أسرته ليبدأ حياته الخاصة كنت أعتقد أن الأمر لا يتجاوز انتقالًا طبيعيًا من مرحلة إلى أخرى. يكبر الإنسان ويتزوج ويصبح له أطفال ومسؤوليات ثم تمضي الحياة ويصبح البيت القديم جزءًا من الماضي.

لكن ما لم أكن أعرفه آنذاك أن الإنسان يستطيع أن يغادر المكان دون أن يغادره المكان.

بقيت أعود إلى بيت الصفرا.

في البداية لم أشعر أنني غادرته فعلًا. غرفتي ما زالت هناك وأغراضي في أماكنها وأمي وفهد في البيت.

لكنني بدأت أنتبه إلى أشياء لم أكن أنتبه إليها وأنا أسكن هناك. صرت أنتظر آخر الليل وأنتظر أن يسألني فهد سؤاله المعتاد. لم يكن السؤال عن العشاء مهمًا بحد ذاته. كنت أريد الجَمعة نفسها. أن نجلس أنا وأخي ونتعشى ونسولف وتعود الحياة لساعات قليلة إلى شكل أعرفه.

كنت في ذلك الوقت أعتقد أن حياتي الحقيقية لم تبدأ بعد وأنها ستبدأ حين أكبر ويصبح لي بيت يخصني. كنت أنظر إلى المستقبل باعتباره المكان الذي توجد فيه الأشياء الأهم ولم أكن أعرف أن الحياة التي أنتظرها كانت تحدث أمامي بالفعل. في جلسة عابرة مع أمي وفي حديث طويل مع فهد وفي مساء هادئ داخل غرفة لم أتصور يومًا أنني سأشتاق حتى إلى تفاصيلها.

مرت السنوات وأصبحت أمي تقضي وقتًا أطول في الرياض وبقي فهد معها. شيئًا فشيئًا أصبح بيت الصفرا أكبر من حاجة من يسكنه وبدأ الحديث الذي كنت أؤجله في داخلي كلما طُرح: بيع البيت والانتقال إلى الاستراحة بعد إعادة ترتيبها لتصبح مكانًا أهدأ ومناسبًا لأمي وفهد.

بدأنا العمل.

وفي كل مرة نصل فيها إلى شيء يمكن أن نقول عنه «يكفي» كنت أجد نفسي أطلب أكثر. باب أفضل وغرفة أوسع ومجلس أجمل. تفصيل يجر تفصيلًا وفي داخلي جملة واحدة تحسم الأمر كل مرة:

«أمي تستحق الأفضل».

لم أكن أبحث عن الفخامة بقدر ما كنت أحاول أن أمنع شعورًا واحدًا. ألا تقف أمي في المكان الجديد يومًا وتقارنه ببيتها القديم وتشعر أننا أخذناها إلى ما هو أقل.

اكتمل المكان أخيرًا وجاء اليوم الذي بدأت فيه أغراض بيت الصفرا تخرج منه.

وفي زحمة النقل ضاعت شنطة خضراء صغيرة كانت لي بداخلها أدوات قهوتي. بحثت عنها كثيرًا وتضايقت لضياعها ثم توقفت عن البحث.

ليس لأنني وجدتها بل لأنني بدأت أفهم أنني لم أكن أبحث عن شنطة خضراء.

كنت أبحث عن جلستي القديمة. عن قهوتي هناك. عن ذلك الشعور الذي كان يأتيني بمجرد دخولي من الباب وأنا أعرف أن أمي هنا وفهد هناك.

اكتشفت حينها أنني لا أشتاق إلى البيت نفسه بقدر ما أشتاق إلى الحياة التي كانت تجري داخله.

نقلنا أشياء كثيرة من بيت الصفرا لكننا لم نستطع أن ننقل البيت.

مرت الأيام وبدأت الاستراحة تفعل ما تفعله البيوت دائمًا. تصنع تفاصيلها الخاصة.

صرت أجلس مع أمي وأتحدث مع فهد وأشرب قهوتي. وأحيانًا أنظر حولي وأفكر أنني عشت مشهدًا كهذا مئات المرات في بيت الصفرا ولم يخطر ببالي يومًا أنني سأشتاق إليه.

ولعل هذه واحدة من المفارقات التي لا نفهمها إلا حين نكبر. نقضي جزءًا من أعمارنا في انتظار المرحلة القادمة ثم نقضي جزءًا آخر ونحن نلتفت إلى ما تركناه خلفنا. كثيرًا ما ننظر إلى ما ينقص أيامنا ثم تمضي الأيام فنشتاق إليها بكل ما كان ينقصها.

لهذا لم أعد أريد من الاستراحة أن تكون بيت الصفرا.

بيت الصفرا أخذ زمنه ومضى والاستراحة لها زمنها الآن. وقد يأتي يوم تصبح فيه هي الأخرى مكانًا أحن إليه.

لهذا أحاول ألا أكرر الخطأ نفسه. ألا أؤجل رضاي إلى حياة أكثر اكتمالًا. فالحياة لا تكتمل والمستقبل لا يخبرنا بما يخبئه لنا. أحاول ألا أحتاج إلى بيت فارغ أو شنطة خضراء ضائعة حتى أفهم أن بعض الأشياء حين تكون أمامنا كل يوم تبدو أصغر من حقيقتها.

ولو جاءني صوت فهد الليلة وقال:

«معي عشاك.. تبي عشا؟»

سأقول نعم.

وسأجلس معه وقتًا أطول هذه المرة.

فقد عرفت متأخرًا أن العشاء لم يكن هو ما سأشتاق إليه

Read more

عوده الى يزيد

لا أعرف كم نسخة مني مرت حتى وصلت إلى الذي أنا عليه اليوم هناك يزيد عاش سنوات شبابه في الرياض وكانت الحياة حوله أكثر ازدحاما. وجوه كثيرة وأبواب تفتح دون موعد وأيام لا يعرف أين ستنتهي. ثم عاد إلى القصيم فهدأت الحياة وتغيرت معها أشياء فيه لم ينتبه لها وقتها

سوف يسمو

سوف يسمو

بدأت حالته تتغير تدريجيًا. قل كلامه وتبدلت أفكاره وابتعد شيئًا فشيئًا عن حياته المعتادة حتى وصل به الأمر إلى رفض الطعام لأيام. تكررت محاولات إقناعه بالأكل دون جدوى. ومع مرور الوقت أصبح واضحًا أن الأمر تجاوز ما يمكن التعامل معه في البيت. حتى جاء القرار الذي

اختر

اختر

يتزوج الأصدقاء واحدًا بعد الآخر، تتكرر الأسئلة في البيت، ويبدأ العمر وكأنه يضغط عليك لتلحق بالآخرين. قد لا تكون مستعدًا نفسيًا أو ماديًا، وقد يختار غيرك التوقيت وحتى الشخص، لكن تبقى في النهاية كلمة لا يستطيع أحد قولها نيابة عنك: نعم. وحين تقولها يصبح الاختيار اختيارك