تبي عشا ؟
تبي عشا؟
كان أخي يتصل بي أحيانا في آخر الليل ويقول:
تبي عشا؟
جملة عادية جدا. أحيانا أقول نعم وأحيانا أعتذر وأحيانا أتجاهل.
لم أعرف وقتها أنها ستصبح يوما من الأشياء التي أشتاق إليها.
عشنا سنوات طويلة في بيتنا القديم. أمي ونحن أبناؤها الثلاثة.
لم يكن البيت مميزا بالنسبة لأحد غيرنا، لكن الحياة التي عشناها داخله هي التي جعلته كذلك.
غرف نعرفها في الظلام، وصوت أمي وهي تنادينا من الصالة «تبون عشا؟»، وأخي يعزف على العود أحيانا، والآخر في غرفته يلعب.
أصوات كانت جزءا من البيت لدرجة أننا لم نكن ننتبه لها.
البيت موجود وأمي موجودة وإخوتي هناك. نخرج ونعود ونختلف ونتصالح ونتعشى وننام.
ثم كبرنا.
تزوج أخي الأكبر وغادر، ثم تزوجت أنا وغادرت وأصبح لي بيت آخر وحياة أخرى.
بقيت أزور أمي وأخي، لكن مهما طالت الزيارة لم تكن مثل الأيام التي كان فيها هذا المكان بيتي.
وتغير الحي أيضا.
جار يرحل وبيت يغلق ووجوه اعتادت أمي عليها سنوات تختفي واحدة بعد الأخرى.
ومع الوقت بدأت أمي تقلل من جلوسها في البيت. تسافر بين فترة وأخرى وتقضي أياما عند أختها، وأحيانا تطول الأيام أكثر مما اعتدنا.
كنت أسألها:
يمه ليه ما تجلسين ببيتك؟
فترد:
الروح تبي الأرواح.
كنت أسمعها كأي جواب عادي، ثم فهمتها مع الوقت.
لم تكن تهرب من البيت، والبيت لم يكن ينقصه شيء.
الذي نقص هم الناس.
ومع السنوات أصبح البيت أكبر من حاجة من يسكنه، وبدأ الحديث الذي كنت أؤجله كلما طرح:
بيع البيت.
كانت الفكرة أن ننتقل إلى الاستراحة بعد تجهيزها لتصبح مكانا أهدأ ومناسبا لأمي وأخي، وحولها أحباب وجيران تعرفهم أمي.
وبدأنا العمل.
رتبنا المكان وغيرنا فيه أشياء كثيرة. وكنت أقول لنفسي إن هذا هو القرار الصحيح.
وكان فعلا القرار المنطقي.
لكن بعض الأشياء لا يكفي معها المنطق.
بيع البيت وانتقلنا.
وفي زحمة النقل ضاعت شنطة أخي الخضراء.
شنطة صغيرة فيها المطحنة والمقطرة والميزان وأدوات قهوته التي يستخدمها كل يوم.
بحثنا عنها كثيرا ولم نجدها.
قد يراها أي شخص مجرد شنطة ضاعت أثناء النقل، لكن أخي خرج للتو من بيت عاش فيه سنوات طويلة، ثم ضاعت معه أشياء صغيرة كانت جزءا من يومه هناك.
بعد فترة أهديته كيس بن إثيوبي ومقطرة جديدة.
لم أقل له إنني أحاول تعويضه، وكنت أعرف أن الموضوع أكبر من مطحنة ومقطرة.
جرب القهوة وسكت قليلا ثم قال:
حلوة القهوة..
وانتهى الحديث.
انتهى بيتنا القديم كبيت، لكنه لم ينته داخلنا.
بقي في أشياء غريبة لا قيمة لها عند أحد غيرنا. مكان سريري القديم، وصوت أمي وهي تنادينا، وأخي وهو يعزف، والآخر داخل وطالع.
وأحيانا أتذكر اتصال أخي في آخر الليل:
تبي عشا؟
وأعرف الآن أن اشتياقي لم يكن للعشاء.
كان لتلك الأيام كلها.
واليوم لنا مكان جديد وحياة جديدة. وربما تمتلئ الاستراحة مع الوقت بأصوات وذكريات لم نصنعها بعد.
لهذا لا أريد أن أقضي الحاضر وأنا أنظر إلى الخلف.
البيت القديم له مكانه ولن يعود، لكن الحياة لم تنته بخروجنا منه.
فالبيت يتغير والغرف تتغير والأصوات تتغير.
لكن الروح، مثل ما قالت أمي..
تبي الأرواح.
والأيام التي نعيشها الآن تستحق أن ننتبه لها.
فقد يأتي يوم نشتاق فيه إليها أيضا.
— ياز