سوف يسمو
بدأت حالته تتغير تدريجيًا. قل كلامه وتبدلت أفكاره وابتعد شيئًا فشيئًا عن حياته المعتادة حتى وصل به الأمر إلى رفض الطعام لأيام.
تكررت محاولات إقناعه بالأكل دون جدوى. ومع مرور الوقت أصبح واضحًا أن الأمر تجاوز ما يمكن التعامل معه في البيت.
حتى جاء القرار الذي طال تأجيله:
المستشفى النفسي.
دخل المستشفى بحثًا عن العلاج. كان الأمل أن يستعيد عافيته ويعود إلى حياته وإلى الأشياء البسيطة التي لم تكن تبدو مهمة قبل أن يفقدها.
أن يأكل.
أن يتحدث.
أن يعود إلى غرفته.
لكن الأيام أخذت الحكاية إلى مكان لم يتوقعه أحد.
بدأ جسده يضعف أكثر. نقص وزنه وثقلت حركته وأصبح الكلام أصعب. وبدل أن تقترب العودة بدا وكأن المسافة إليها تزداد كل يوم.
ومع الأيام تغيرت الأسئلة.
في البداية كان السؤال:
متى يتحسن؟
ثم أصبح:
لماذا يزداد ضعفًا؟
وبعدها لم يعد هناك وقت للأسئلة.
فقد وعيه.
تشنج.
وتباطأ نبضه.
وانتقل من مستشفى دخله بحثًا عن العلاج إلى مستشفى آخر بحثًا عن شيء أبسط بكثير:
الحياة.
دخل العناية المركزة.
وهناك تغير معنى كل شيء.
الأشياء التي كانت تبدو مهمة قبل أيام فقدت أهميتها فجأة. لم يعد السؤال متى سيعود إلى حياته الطبيعية ولا متى ستتحسن حالته ولا متى تنتهي الأزمة التي بدأت منها الحكاية.
تقلصت الأمنيات كلها إلى أمنية واحدة:
أن يفتح عينيه.
ثلاثة وعشرون يومًا.
من السهل أن تُكتب هكذا. ثلاث كلمات ورقم.
لكن الأيام في العناية لا تُعاش كما تُكتب.
هناك يصبح للوقت معنى آخر. التحسن البسيط يصبح خبرًا كبيرًا. كلمة مطمئنة من الطبيب قد تغير يومًا كاملًا. أما الصمت الطويل فيفتح أبوابًا من الاحتمالات التي لا يرغب أحد في التفكير فيها.
ثلاثة وعشرون يومًا بين الخوف والرجاء.
وفي مكان كهذا تتغير قيمة الأشياء.
قبلها كان المطلوب أن يعود إلى طبيعته.
ثم أصبح المطلوب فقط أن يعود.
أن يفتح عينيه.
أن يتنفس.
أن يغادر ذلك السرير.
وأن يأتي يوم يصبح فيه كل ما حدث شيئًا يُروى بصيغة الماضي.
مرت الأيام.
لم يحدث التحسن دفعة واحدة. ولم يستيقظ صباحًا لينتهي كل شيء كما تنتهي الحكايات.
بدأ التحسن قليلًا قليلًا.
خطوة صغيرة ثم أخرى.
وكان كل تقدم يعيد جزءًا من الأمل الذي أخذته الأيام السابقة.
شيئًا فشيئًا بدأ يعود.
حتى جاء اليوم الذي خرج فيه من العناية.
ثلاثة وعشرون يومًا انتهت أخيرًا.
لم تكن الحياة في الخارج مثالية. المرض لم يختفِ والمشكلات التي كانت موجودة قبل تلك الأيام لم تختفِ معه.
لكنه خرج.
وهذا وحده كان كافيًا ليغير معنى أشياء كثيرة.
من الغريب كيف يقضي الإنسان جزءًا كبيرًا من عمره وهو يطلب من الحياة المزيد. صحة أفضل وراحة أكبر وأيامًا أسهل.
ثم تأتي لحظة واحدة تعيد ترتيب كل ذلك.
فجأة لا يعود المطلوب المزيد.
يصبح المطلوب فقط ألا يضيع الموجود.
فالعودة التي كانت تعني في البداية أن يعود إلى حياته كما كان أصبحت تعني شيئًا أبسط بكثير:
أن يعود إليها أصلًا.
ربما لهذا كانت الأيام الثلاثة والعشرون أطول من مجرد ثلاثة وعشرين يومًا. ففي مكان ما بين الدخول إلى المستشفى والخروج من العناية تغيرت الأمنيات كلها.
ما كان يُعد أمرًا عاديًا أصبح نعمة.
صوت.
حركة.
عينان مفتوحتان.
خطوات تغادر غرفة العناية.
وشخص يعود إلى البيت.
لم تنتهِ القصة بخروجه. بعض القصص لا تنتهي عندما يغادر المريض المستشفى. تبقى آثارها في الجسد وفي الذاكرة وتبقى معها أشياء تحتاج إلى وقت وصبر وعلاج.
لكن الخروج منح الحكاية شيئًا لم يكن مضمونًا قبل أيام:
فصلًا آخر.
ربما لا تكون النجاة أن يعود الإنسان كما كان تمامًا.
فالذي يعبر أيامًا كهذه لا يعود منها كما دخل. وكذلك الحياة من حوله لا تبقى كما كانت.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين حياة تحتاج إلى إصلاح وحياة كادت ألا تستمر.
ثلاثة وعشرون يومًا كانت كافية لفهم هذا الفرق.
أحيانًا يبدو أن المطلوب حياة أفضل.
ثم تقترب الحياة من الرحيل فيصبح المطلوب شيئًا أبسط:
أن تبقى.
ثم تبدأ من جديد.
خطوة صغيرة.
ثم أخرى.
ثم يسمو.